شهدت إسبانيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة ظهوراً متنامياً للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وذلك في إطار موجات الهجرة المصرية القبطية إلى أوروبا الغربية التي نشطت منذ أواخر القرن العشرين. ورغم أن الوجود القبطي في إسبانيا ما يزال أصغر عدداً مقارنة ببلدان أخرى مثل فرنسا أو ألمانيا أو بريطانيا، إلا أنه نجح بامتياز في تأسيس جماعات مستقرة وكنائس معترف بها رسمياً، خاصة في إقليم كتالونيا والعاصمة مدريد، لتصبح الكنيسة القبطية اليوم جزءاً حيوياً وواضحاً من المشهد المسيحي الشرقي في البلاد.
جذور الهجرة القبطية الحديثة إلى إسبانيا
بدأت الهجرة القبطية الحديثة بصورة واسعة منذ سبعينيات القرن العشرين، مدفوعة بظروف اقتصادية واجتماعية وتطلعاً للتعليم والعمل، وتزامناً مع سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر. وفي الوقت الذي اتجهت فيه الكتلة الأساسية من المهاجرين الأقباط نحو أمريكا الشمالية وأستراليا وبعض دول أوروبا الغربية التقليدية، لم تكن إسبانيا في البداية مقصداً رئيسياً لهم.
ومع مطلع تسعينيات القرن الماضي، بدأت أولى العائلات المصرية القبطية في الاستقرار تدريجياً داخل المدن الإسبانية، وتمركزت بصورة خاصة في برشلونة، ومدريد، بالإضافة إلى مدينتي ليدا (Lleida) وسيرفيرا (Cervera). وعمل معظم هؤلاء المهاجرين الأوائل في مجالات الزراعة، والصناعات الغذائية، والتجارة الصغيرة، والأعمال الحرفية الحرة. وفي تلك المرحلة التأسيسية، لم تكن هناك كنائس قبطية مستقلة، بل كانت الصلوات تُقام داخل المنازل، أو في قاعات صغيرة مستأجرة، أو داخل كنائس كاثوليكية سمحت للجالية باستخدامها مؤقتاً بروح من المحبة والتعاون المسكوني.
عام 1995: النواة الأولى والتحول المنظم في سيرفيرا
يُعتبر عام 1995 نقطة الانطلاق الحقيقية للوجود القبطي المنظم في إسبانيا؛ حيث بدأت تتشكل في مدينة سيرفيرا الكتالونية نواة جماعة قبطية مستقرة، سرعان ما نمت لتتحول إلى أكبر تجمع قبطي في البلاد. جذبت هذه المدينة المتنامية العديد من العائلات بسبب توفر فرص العمل في القطاعين الزراعي والصناعي، مما أسهم في ترسيخ استقرار الجالية.
ومع مرور الوقت، توسعت هذه الجماعة لتصبح مركزاً رئيساً يخدم الأقباط القادمين من مدن ومناطق متعددة داخل إقليمي كتالونيا وأراغون، مثل تاراغونا، وغيسونا، وإيغوالادا، وسالو، وسرقسطة. واعتمدت الخدمة في بدايتها على زيارات دورية ومؤقتة لآباء كهنة قادمين من مصر، إلى جانب تجمعات الصلاة المنزلية، والاهتمام بتعليم الأطفال اللغة القبطية والألحان والترانيم الكنسية بدعم مباشر من الكنيسة الأم في مصر، مما ساهم في الحفاظ على الهوية الروحية والثقافية الأصيلة.
طقوس العبادة والتكامل اللغوي
تضم جالية سيرفيرا اليوم نحو 90 عائلة وأكثر من 350 عضواً، وتُقيم الجالية أربع قداسات أسبوعية بجدول منظم يراعي ظروف العائلات؛ حيث يُقام قداس يوم السبت (من الساعة 8:30 إلى 10:30 صباحاً) ويُستخدم فيه اللغتان القبطية والعربية، بينما يُخصص قداس يوم الأحد (من 8:30 إلى 11:30 صباحاً) للخدمة باللغة الإسبانية لربط الأجيال الجديدة بمحيطهم. كما تُقام قداسات خلال أيام الأسبوع في أوقات مرنة، من بينها قداس مبكر يبدأ في السادسة صباحاً.
وتعبيراً عن الرغبة في تعزيز الاندماج المجلي، يتطلع المسؤولون عن الخدمة إلى إدخال اللغة الكتالونية أيضاً في الطقوس والليتورجيا في المستقبل القريب، بما يعكس انفتاح الكنيسة على محيطها الثقافي واللغوي في منطقة سيغارا.
محطات تاريخية: الاعتراف القانوني والتعاون المسكوني
حقق الوجود القبطي في إسبانيا قفزة تاريخية في 31 مارس 2003، عندما سُجلت رسمياً أول كنيسة قبطية أرثوذكسية لدى وزارة العدل الإسبانية تحت اسم "كنيسة القديس موسى الأسود والقديس الأنبا برسوم" في مدينة سيرفيرا (رقم التسجيل الرسمي: 002125). مَنَح هذا الحدث الكنيسة اعترافاً قانونياً كاملاً، وحق تنظيم الأنشطة الدينية، وامتلاك وإدارة أماكن العبادة، وتمثيل الجالية رسمياً أمام الدولة.
وبحلول عام 2007، بدأ الحضور القبطي يظهر بوضوح أكبر في برشلونة؛ حيث رصدت تقارير صحفية إسبانية معنية بالحريات الدينية استضافة كنيسة "بالاو" الكاثوليكية لاحتفالات الأقباط بعيد القيامة المجيد بحضور قارب 40 شخصاً، حيث أقيمت الصلوات بالعربية والقبطية عبر كهنة مـوفدين مؤقتاً من مصر، مما مهد لتطور تنسيق مسكوني واسع النطاق.
تسليم كنيسة "سيدة الأحزان" التاريخية
ومن أبرز المحطات التاريخية في هذا السياق، تسلُّم الجالية القبطية لكنيسة تاريخية عريقة في مدينة سيرفيرا تُعرف باسم Capella dels Dolors (كنيسة سيدة الأحزان)، والتي تعود إلى القرن الثامن عشر وكانت في الأصل تابعة لكنيسة سانتا ماريا الكاثوليكية. ومثّل هذا الحدث خطوة جوهرية في ترسيخ الوجود الكنسي، وأتاح إنشاء مركز عبادة دائم ومستقر ساهم في بناء حياة رعوية منظمة ومستدامة، تتيح تنظيم مدارس الأحد وإدخال الفن والأيقونات القبطية العريقة إلى قلب إسبانيا.
الرعاية والخدمة: التدبير الرعوي الحالي
يُشرف على الخدمة الرعوية في إسبانيا حالياً نيافة الحبر الجليل الأنبا يوسف، أسقف بوليفيا والمشرف على إسبانيا والبرتغال. ومن بين الآباء الرهبان الموفدين للخدمة، يبرز اسم الراهب القس رويس الأنبا بولا، المسؤول عن جالية سيرفيرا والنائب البابوي في إسبانيا، والذي ارتبط اسمه بتطوير الحياة الليتورجية والتعليمية وتعزيز العلاقات الدبلوماسية والكنسية محلياً.
كما يبرز اسم الراهب القس مقار الأنبا بولا، الذي يتولى خدمة كنيسة السيدة العذراء والقديس مارمينا في برشلونة، والمنخرط بفاعلية في الأنشطة الرسمية المرتبطة بأبرشية برشلونة الكاثوليكية، مما يعكس استمرار وتطور الحضور القبطي في الحواضر الإسبانية الكبرى.
إن قصة الكنيسة القبطية في إسبانيا على مدار ثلاثة عقود هي نموذج حي للمثابرة الروحية، والقدرة على الحفاظ على الهوية المصرية الأصيلة والتراث الطقسي العريق، مع الانخراط الإيجابي والاندماج الذكي في المجتمع الأوروبي المعاصر، لتصبح الكنيسة جسراً روحياً وثقافياً يربط بين مصر والعالم الإسباني.
(يتبع في الجزء الثاني...)
