فضل السجن على الهروب: القصة المجهولة للأنبا تادرس مطران بورسعيد ورفضه استخدام الجنسية الأمريكية
يمتلئ تاريخ كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بمواقف بطولية لآباء أثبتوا أن رعايتهم لشعبهم وأمانتهم لوطنهم وكنيستهم تفوق أي امتيازات دنيوية. من بين هذه القصص الملهمة، يروي القمص الجليل أبونا تادرس يعقوب ملطي بحب واعتزاز بالغين، قصة تاريخية وموقفاً شجاعاً لنيافة الأنبا تادرس، مطران بورسعيد وتوابعها، في فترة من أصعب الفترات التي مرت بها الكنيسة والدولة.
خبر القبض والفرصة الذهبية للهروب
تعود أحداث القصة إلى الوقت الذي كان فيه نيافة الأنبا تادرس في رحلة خارج مصر (بالقرب من قبرص أو أثينا). وخلال تواجده هناك، نما إلى علمه أن اسمه مُدرج ضمن قوائم المطلوب القبض عليهم في مصر.
في تلك اللحظة الحرجة، كان نيافته يحمل "الجنسية الأمريكية"، وتواصل معه شقيقه الدكتور يوسف من ولاية كاليفورنيا قائلاً: "سأرسل لك تذكرة طيران فوراً لتأتي إلى أمريكا.. أنت تحمل جواز سفر أمريكي ولا داعي للعودة". كانت هذه بمثابة فرصة ذهبية ومنطقية للنجاة والابتعاد عن السجن.
حقيبة السجن بدلاً من تذكرة أمريكا
بشجاعة الراعى الصالح الذي لا يترك رعيته وقت الضيق، رفض الأنبا تادرس هذا العرض تماماً. وبدلاً من التوجه إلى المطار للهروب، قام بتجهيز "حقيبة صغيرة" خصيصاً استعداداً لدخول السجن، ورتب كافة أمور خدمته ليسلمها بأمانة، ثم استقل الطائرة عائداً إلى مصر ليسلم نفسه طواعية. وبمجرد وصوله، تم استدعاؤه بالفعل.
شهادة حق أمام رئيس الجمهورية
هذا الموقف النبيل لم يمر مرور الكرام. ففي خضم التوترات التي كانت سائدة حينها، تدخل الأستاذ ألبرت برسوم (رحمه الله) وتحدث مباشرة إلى رئيس الجمهورية، ناقلاً له صورة حية عن أمانة ووطنية قيادات الكنيسة، وقال له:
"لدينا أسقف كان في قبرص ويحمل جواز سفر أمريكي، وكان شقيقه مستعداً لاستقباله في أمريكا، ومع ذلك رفض الهروب.. وعاد بنفسه ليسلم نفسه. هذا إنسان أمين وشريف ومحب لبلده".
كانت هذه الكلمات بمثابة شهادة حق قوية، تركت تأثيراً بالغاً وأظهرت المعدن الحقيقي للآباء الأساقفة.
نعمة وسط الألم:
يختتم أبونا تادرس يعقوب سرد هذه القصة بتأمل روحي عميق، موضحاً أنه رغم قسوة تلك الفترة وما حملته من ألم وتعب، إلا أن نعمة الله كانت واضحة وساندة للجميع. وبمرور الوقت، أثمرت هذه الأمانة وهذا الثبات تقارباً وتحسناً ملحوظاً في العلاقات، لتثبت الأيام أن طريق الأمانة لله وللوطن هو دائماً الطريق الذي يُكلل بالبركة والسلام.
