كثيراً ما يواجه أبناء الكنيسة الأرثوذكسية تساؤلاً أو هجوماً من البعض حول بعض الممارسات الطقسية أو الصلوات الليتورجية، وتكون الحجة المعتادة: "أين توجد هذه الآية في الكتاب المقدس؟". وفي رد عبقري يجمع بين المنطق التاريخي واللاهوت الرعوي، قدم نيافة الحبر الجليل الأنبا أنطونيوس، مطران القدس والشرق الأدنى، إجابة قاطعة تثبت أن القداس الذي نصليه اليوم هو تسليم أصيل من الرسل والآباء.
هل كل شيء مكتوب في الإنجيل بحرفيته؟
يستهل نيافة الأنبا أنطونيوس حديثه بالإشارة إلى التحدي الشائع، قائلاً: "أي حد لما تيجي تناقشه في حاجة من التقليد أو التسليم اللي استلمناه من الآباء، يقولك: هاتلي الآية دي من الإنجيل أو من الكتاب المقدس".
وللرد على هذا الفكر الذي يُلغي "التقليد الكنسي" (وهو الحياة المعاشة التي استلمتها الكنيسة جيلاً بعد جيل)، طرح نيافته سؤالاً تاريخياً في غاية الذكاء يخص الكنائس التي انفصلت عن الكنيسة القبطية إبان مجمع خلقيدونية عام 451م.
الانقسام عام 451م يثبت أصالة القداس الإلهي!
يتساءل نيافة المطران: "إزاي نفسر إن كنائس زي الكنائس اللي انفصلت عننا سنة 451م (مثل كنيسة الروم الأرثوذكس)، لسه بنصلي وإياهم بنفس الطريقة؟".
ويُفصل نيافته أوجه التطابق العجيب رغم مرور أكثر من 15 قرناً على الانفصال:
القداس الباسيلي: كنيسة الروم الأرثوذكس تصلي بالقداس الباسيلي، والكنيسة القبطية تصلي بنفس القداس.
الألحان الأساسية: نستخدم نفس الألحان بنفس الكلمات، مثل لحن "أومونوجينيس" (أيها الابن الوحيد)، ولحن التقديس الثلاثي "أجيوس" (قدوس الله).
النص الليتورجي: ليتورجية القداس الباسيلي تكاد تكون متطابقة "كلمة بكلمة" بين الكنيستين رغم القطيعة التاريخية.
الآباء العظام وحفظ التسليم
يصل الأنبا أنطونيوس بهذا التحليل إلى استنتاج منطقي لا يقبل الشك؛ فهذا التطابق يعني يقيناً أن هذه النصوص والألحان كانت "موجودة ومستقرة" قبل عام 451م، أي قبل المجامع التي حدثت فيها الانقسامات.
بمعنى آخر، هذا القداس صُلي به في عصور الآباء العظام؛ أمثال البابا أثناسيوس الرسولي، والبابا كيرلس عمود الدين، والبابا ديسقوروس. ويتساءل نيافته في ختام حجته: "فهل معقول إن آباء كبار زي دول يكونوا علموا تعليم مش قاله السيد المسيح؟ أكيد لأ".
تأمل روحي: الكنيسة لم تولد من الكتب، بل الإنجيل وُلد في الكنيسة
"وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا" (2 تيموثاوس 2: 2). الرد القوي للأنبا أنطونيوس يذكرنا بحقيقة إيمانية هامة: المسيح لم يترك لنا كتاباً مكتوباً لندرسه، بل ترك "كنيسة حية" تحيا به وتتذوقه. التقليد ليس مجرد عادات قديمة، بل هو الروح القدس العامل في الكنيسة عبر العصور.
عندما نقف لنصلي القداس الإلهي أو نردد لحن "أجيوس"، نحن لا نردد كلمات من تأليف بشري حديث، بل نندمج في نفس التسبيح الذي ردده أثناسيوس وكيرلس، ونقف في نفس الصف الذي وقف فيه الرسل الأطهار. فخورون نحن بكنيستنا التي حفظت هذا الوديعة الأرثوذكسية النقية وسلمتها لنا عبر الأجيال لنتذوق السماء على الأرض.
