"راهب يهرب إلى الصحراء لأن البابا اختاره مطراناً".. قصة المانشيت الذي أثار دهشة المصريين
في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، طالما كانت الرهبنة تُمثل "الموت عن العالم" والهروب من كل مناصبه وكراماته. ولكن أن يهرب راهب من رسامته "مطراناً"، لدرجة أن تتحدث عنه كبرى الصحف القومية في مصر، فهذا موقف استثنائي يستحق التأمل والتوثيق.
في هذا المقال على "زاوية قبطية"، نعود بالزمن إلى أواخر الستينيات، لنسترجع قصة "مانشيت الأهرام" الشهير، كما يرويها نيافة الحبر الجليل الأنبا بنيامين، مطران المنوفية.
شهادة الأنبا بنيامين: نداء الأسقفية الذي أثار الرعب
تعود أحداث القصة إلى أواخر الستينيات، حينما كان الأنبا بنيامين لا يزال طالباً جامعياً. في ذلك الوقت، ترددت بقوة أخبار عن راهب يُدعى "القمص متياس السرياني". لم تكن شهرته بسبب معجزة أو عظة، بل لأنه قرر الهروب من البطريركية! والسبب؟ أن القديس البابا كيرلس السادس قد وقع اختياره عليه ليُسيمه أسقفاً ومطراناً على إيبارشية دمياط.
الهروب الطائر ومانشيت الأهرام
بمجرد أن علم القمص متياس بنية البابا كيرلس، أدرك أن البابا قد يضع يده عليه ويرسمه في أي لحظة. لم يفكر مرتين؛ استقل سيارته وانطلق مسرعاً عائداً إلى حضن الصحراء وديره. كان يصف تلك اللحظات لاحقاً قائلاً: "وأنا رايح الدير كنت حاسس إن العربية طايرة، كأنها متشالة". لم يستطع أحد إيقافه حتى وصل إلى ملاذه الآمن. أثار هذا الموقف العجيب دهشة المجتمع المصري بأكمله، لدرجة أن جريدة الأهرام العريقة نشرت خبراً يحمل مانشيتاً صريحاً: "راهب يهرب إلى الصحراء لأن البابا كيرلس اختاره مطرانًا".
حوار من ذهب بين البابا والراهب الهارب
أمام هذا الإصرار على الهروب من الكرامة، اضطر البابا كيرلس السادس إلى سيامة راهب آخر لإيبارشية دمياط. وما إن وصل الخبر للقمص متياس السرياني، حتى غمرته الفرحة العارمة، وقرر العودة فوراً إلى البطريركية ليقدم اعتذاره للبابا كيرلس عما بدر منه. هنا دار حوار من أروع حوارات التاريخ الكنسي؛ عاتبه البابا كيرلس بمحبة قائلاً: "كده برضه يا ولادي تهربوا مني؟". فجاء رد القمص متياس يحمل عبقرية الرهبنة وفهمها العميق لسيرة البابا نفسه (الذي هرب طويلاً من الكهنوت والبطريركية في شبابه)، قائلاً: "ولادك بيهربوا زيك يا سيدنا… مش بيهربوا من محبتك".
رسالة من "زاوية قبطية": إن كنيستنا القبطية غنية بآباء فضلوا تراب البرية على عروش الأسقفية، واختاروا الخفاء على الأضواء. هذه القصة ليست مجرد حكاية من الماضي، بل هي درس حي لكل جيل بأن الكرامة الحقيقية تكمن في الاتضاع، وأن من يهرب من الكرامة، تتبعه وتُخلد ذكره
