المساواة في الميراث وقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين: مكتسبات تاريخية تواجه إشكاليات التطبيق

 المساواة في الميراث وقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين: مكتسبات تاريخية تواجه إشكاليات التطبيق

​لسنوات طويلة، عانت الكثير من النساء المسيحيات في مصر من أزمة توزيع الميراث. قصة "ماري" التي فقدت والدها قبل 15 عاماً هي نموذج متكرر؛ فحين طالبت بتطبيق المبادئ المسيحية التي تقضي بالمساواة بين الذكور والإناث في الإرث، رفض شقيقاها واحتكما للشريعة الإسلامية ليحصلا على ضعف نصيبها.

​اليوم، يلوح في الأفق أمل جديد مع "مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين" الذي قدمته الحكومة لمجلس النواب. فما هي مكتسبات هذا القانون؟ وما هي الثغرات التي يخشى الحقوقيون منها؟ في "زاوية قبطية"، نُفند التفاصيل.

​المكتسبات: المساواة وتجريم حجب الإرث

​يحمل الباب السادس من مشروع القانون نقلة نوعية وتاريخية طال انتظارها، وتتمثل في:

​المساواة الكاملة: إقرار المساواة التامة بين النساء والرجال في الميراث في كافة الفروض والطبقات، والاحتكام للقواعد المسيحية، متجاوزاً بذلك تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المواريث للمسيحيين التي كانت تُطبق سابقاً (وفقاً للمادة 875).

​عقوبات رادعة: نصت المادة 160 على تجريم الامتناع عن تسليم الإرث أو حجب أي سند يؤكد نصيب الوارث. وتتراوح العقوبة بين الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه، وتتضاعف العقوبة لتصل إلى الحبس لمدة سنة على الأقل في حال التكرار.

​الإشكاليات: من يدفع ثمن غياب الأثر الرجعي؟

​رغم هذه المكتسبات، أثارت ورقة بحثية أصدرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان "أهلية منقوصة"، وآراء خبراء قانونيين، عدة إشكاليات جوهرية:

​أزمة التوقيت (المادة الثالثة): ينص مقترح القانون على أن تسري أحكامه فقط على حالات الوفاة "اللاحقة لإقراره". هذا يعني أن النساء اللاتي حُرمن من إرثهن في الماضي (مثل ماري)، أو حتى من لديهن قضايا متداولة حالياً في المحاكم ولم يُفصل فيها بعد، سيُطبق عليهن اللوائح القديمة، مما يحرمهن من حقهن في المساواة.

​استبعاد بعض الطوائف: حددت المادة الأولى سريان القانون على طوائف محددة (الأقباط الأرثوذكس، السريان الأرثوذكس، الروم الأرثوذكس، الأرمن الأرثوذكس، الأقباط الإنجيليين، والكاثوليك). وقد أشار قانونيون إلى أن هذا التحديد يترك مجموعات أخرى مسيحية (مثل الموارنة) خارج نطاق التطبيق، مما يضع إدارة أحوالهم الشخصية في وضع قانوني غامض.

​رؤية قانونية ومجتمعية:

المساواة في الإرث هي حق أصيل أقرته الشريعة المسيحية. وبينما يُعد القانون خطوة ممتازة نحو العدالة، تتعالى الأصوات القانونية المطالبة بتعديل المادة الثالثة، لتمتد مظلة القانون لتشمل القضايا المنظورة حالياً أمام المحاكم ولم يصدر فيها حكم نهائي، لضمان عدم إهدار حقوق النساء المسيحيات في الفترة الانتقالية.



تعليقات