الأنبا رافائيل يضع "روشتة" عملية لحل أزمة الافتقاد الرعوي في الكنائس: كيف نوازن بين الرعاية وضيق الوقت؟
لطالما كان "الافتقاد" هو العصب النابض للخدمة الكنسية، والوسيلة الأهم لربط الشعب بالكنيسة. ولكن مع تعقيدات الحياة المعاصرة، زادت شكاوى البعض من تراجع معدلات افتقاد الآباء الكهنة للبيوت. وفي تشخيص دقيق وحل عملي لهذه الأزمة، قدم نيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل، الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة، رؤية متكاملة لإنعاش خدمة الافتقاد بما يتناسب مع ظروف العصر.
جوهر "الافتقاد": أنت لست منسياً
بدأ نيافته بتأصيل المعنى الحقيقي لكلمة "افتقاد"، مشيراً إلى أن أصلها في اللغة القبطية يحمل معنى "أن يسأل عنك شخص ويهتم بك". الافتقاد في جوهره هو رسالة حب تخبر الإنسان بأنه مهم، وأن غيابه ملحوظ، وأن هناك أباً روحياً يتذكره. هذا الاحتياج النفسي والروحي لا يسقط أبداً، مهما تغيرت الأزمان.
لماذا تراجع الافتقاد المنزلي؟
قارن الأنبا رافائيل بين الماضي والحاضر بوضوح؛ ففي الماضي كانت الحياة أبسط، وأعداد الشعب أقل، مما أتاح للكاهن وقتاً لزيارة البيوت والجلوس لساعات. أما اليوم، فقد تضاعفت الأعداد، وزادت المشاكل تعقيداً (خاصة الخلافات الأسرية والزوجية)، مما يستهلك معظم وقت وطاقة الكاهن داخل الكنيسة لحل هذه الأزمات، ويجعله عاجزاً عن إتمام الزيارات المنزلية كما كان في السابق. ومع ذلك، يظل احتياج البيوت لبركة الكاهن قائماً وبقوة.
الحل العملي: نموذج تطبيقي من إحدى كنائس القاهرة
لتجاوز هذه الفجوة، سرد الأنبا رافائيل تجربة ناجحة ومنظمة تُطبق في إحدى كنائس القاهرة، وتقوم على محاور مؤسسية واضحة:
قاعدة البيانات والتقسيم الجغرافي: تم حصر وتسجيل عضوية الكنيسة بالكامل على أجهزة الكمبيوتر، وتقسيم المنطقة جغرافياً لقطاعات، بحيث يتولى كل كاهن مسؤولية قطاع محدد.
فريق السكرتارية والمتابعة الهاتفية: تم تكوين فريق من الشابات يعملن بنظام الورديات (الشيفتات) داخل الكنيسة. تقوم كل سكرتيرة بمساعدة كاهن في قطاعه، من خلال إجراء اتصال هاتفي "شهري" بكل أسرة في الوقت الذي حددته الأسرة مسبقاً (صباحاً أو مساءً).
تقارير يومية للكاهن: يتم خلال الاتصال الاطمئنان على الأسرة، وتسجيل أي حالات مرضية، أو وفيات، أو طلبات صلاة. وتُرفع هذه الحالات في تقرير يومي للكاهن ليتخذ الإجراء المناسب. وفي حالات الطوارئ القصوى (كالمشاكل الزوجية الكبيرة)، يُبلغ الكاهن للتدخل الفوري.
الزيارة السنوية المُنظمة: رغم المتابعة الهاتفية الشهرية، لا غنى عن بركة الكاهن في البيت. لذا، يُرتب موعد لزيارة الكاهن لكل أسرة "مرة واحدة سنوياً". تكون زيارة روحية قصيرة ومحددة الموعد، يصلي فيها الكاهن، ويقرأ من الكتاب المقدس، ويبارك البيت وينصرف.
فريق افتقاد مدرب: يتم الاستعانة بفريق من الخدام الناضجين روحياً وعمرياً لمعاونة الكاهن في الافتقاد، بعد تدريبهم جيداً على أصول الزيارة اللطيفة التي لا تسبب حرجاً للأسرة.
رؤية مستقبلية: اختتم الأنبا رافائيل حديثه بأمنية غالية، وهي أن يُعمم هذا النظام الإداري والروحي المتكامل في جميع كنائس الكرازة المرقسية، ليضمن الجميع تواصلاً حقيقياً ومستمراً، وتشعر كل أسرة أن كنيستها تحيا معها وتحتضنها دائماً.
