الزوج الزاني والتوبة: هل تمنع الكنيسة تصريح الزواج الثاني؟ الأنبا بولا يُجيب بحسم
من أكثر الأسئلة الشائكة التي تتردد في أروقة الأحوال الشخصية القبطية: "إذا سقط أحد الزوجين في خطية الزنا، ثم حدث الطلاق، وتاب الطرف المخطئ توبة صادقة.. هل يُحرم من الزواج الثاني طوال عمره؟ أين رحمة الكنيسة في هذا القرار؟"
هذا التساؤل العاطفي والمنطقي أجاب عنه نيافة الحبر الجليل الأنبا بولا، مطران طنطا وتوابعها، بإجابة تضع النقاط على الحروف، وتوازن بين الرحمة الإلهية والنصوص الإنجيلية الثابتة. في "زاوية قبطية"، نُحلل أبعاد هذه الإجابة.
1. شريعة المسيح وليس "انعداماً للرحمة"
الخطأ الأكبر في تقييم هذا الموقف هو اتهام الكنيسة بالقسوة أو انعدام الرحمة. يوضح الأنبا بولا أن الكنيسة لا تشرّع من تلقاء نفسها، بل تخضع بالكامل لتعليم السيد المسيح الواضح.
السيد المسيح أقر شريعة الزوجة الواحدة، واستثنى حالة واحدة للطلاق قائلاً: "مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي" (متى 19: 9). بناءً على ذلك، فإن الشخص الذي صدر عليه حكم بالزنا، وتسبب في هدم الكيان السري للزواج، يُصبح هذا الحكم "مانعاً كنسياً" من زواجه مرة أخرى.
2. التوبة تقود للسماء.. ولكن!
هل يرفض الله توبة الزاني؟ إطلاقاً. يؤكد نيافة الأنبا بولا أن باب التوبة مفتوح دائماً. إذا تاب المخطئ توبة حقيقية صادقة، فإن الله يقبله، ويغفر له، وقد يكون نصيبه في السماء عظيماً.
لكن، التوبة وغفران الخطية شيء، و"التصريح بالزواج الثاني" شيء آخر. التوبة لا تُلغي القوانين والتبعات الأرضية المرتبطة بكسر العهد الزوجي (السر المقدس)، والنص الكتابي واضح ولا يمكن التلاعب به أو إلغاؤه.
3. خطورة التلاعب بالنص وإلغاء القانون
يتساءل البعض: لماذا لا نتجاوز عن النص من أجل الرحمة؟ الإجابة تكمن في حماية المجتمع والأسرة. لو تساهلت الكنيسة ومنحت الزاني تصريحاً بالزواج بحجة التوبة، لأصبح الباب مفتوحاً أمام البعض للتعمد في السقوط في الخطية كحيلة أو "ثغرة" للحصول على الطلاق ثم الزواج مرة أخرى، وهو ما يُعد تدميراً لمفهوم قدسية الزواج المسيحي.
4. دور الكنيسة الرعوي: العلاج قبل البتر
يُبرز الأنبا بولا الجانب الرعوي والأبوي للكنيسة؛ فالكنيسة ليست محكمة تسعى لإصدار أحكام بالطلاق، بل هي مستشفى روحي. عندما يقع أحد الزوجين في الخطية، تسعى الكنيسة بكل الطرق لـ "الإصلاح وليس الهدم". دور الكاهن هنا هو مساعدة المخطئ على التوبة وهو داخل كيان أسرته، وتشجيع الطرف البريء على الغفران والصفح لاستمرار الحياة الزوجية وحماية الأولاد من التشتت. أما إذا وصل الأمر للطلاق الفعلي، فلا رجعة في تطبيق القانون.
تأمل من "زاوية قبطية":
لا يجب أن نحكم على القوانين الروحية بالعاطفة البشرية المتغيرة. الإنجيل هو هو، أمساً واليوم وإلى الأبد. رحمة الله تسع الجميع بالتوبة، وعدله وقداسته يحفظان الكنيسة وأسرارها من التهاون
.
