مشروع قانون الأسرة للمسيحيين في مصر: بين إغلاق ثغرة "تغيير الملة" وأمل "الانحلال المدني"
لسنوات طويلة، عانت الكثير من الأسر المسيحية في مصر من تعقيدات قضايا الأحوال الشخصية، وبحث الكثيرون عن ثغرات قانونية لإنهاء زيجاتهم المتعثرة. اليوم، يقف المجتمع القبطي أمام "مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين"، الذي يهدف إلى تنظيم قضايا الخطبة، الزواج، الطلاق، والإرث.
يحتوي هذا المقترح على مكتسبات هامة، ولكنه في الوقت ذاته يثير نقاشات قانونية وحقوقية حول مدى هيمنة السلطة الدينية على حياة الأفراد. في "زاوية قبطية"، نُفند أبرز ما جاء في هذا المشروع والإشكاليات المحيطة به.
1. شهادة "خلو الموانع": سلطة رعوية أم قيد قانوني؟
تبدأ أولى محطات القانون من الخطبة؛ حيث تشترط المادة الأولى تقديم "شهادة خلو من الموانع" لإتمام الزواج.
الإشكالية هنا، بحسب حقوقيين وباحثين، أن هذه الشهادة لا تقتصر على الشروط البديهية (كالسن وانتفاء صلة القرابة)، بل تمتد لتشمل تقييماً لمدى التزام الشخص بالطقوس الروحية (مثل المواظبة على التناول والاعتراف). هذا الأمر يعطي الكاهن سلطة واسعة، وقد يُشكل عائقاً أمام البعض—مثل حالة "روجينا" المذكورة في التقارير الحقوقية—التي لم تتمكن من الزواج مجدداً لعدم ممارستها لطقس الاعتراف.
2. نهاية عصر "تغيير الملة"
في الماضي، كان "تغيير الطائفة أو الملة" هو الباب الخلفي الذي يعبر منه الكثيرون للحصول على الطلاق والاحتكام للشريعة الإسلامية. مشروع القانون الجديد أغلق هذا الباب تماماً؛ حيث نصت المادة 21 على أن تغيير الطائفة أثناء الزواج "لن يكون له أثر في النزاعات القضائية"، وسيُلزم الطرفين بشريعة الطائفة التي عُقد الزواج بناءً عليها.
3. الطلاق وبطلان الزواج: بين التضييق والإتاحة
يضع القانون أسباباً عامة للتطليق تسري على الطوائف المشمولة بالقانون (عدا الكاثوليك الذين لا طلاق لديهم إطلاقاً)، وهي: الزنا، ترك الدين، والشذوذ الجنسي.
أما بالنسبة لـ "بطلان الزواج"، فقد شمل أسباباً مثل العجز الجنسي، وما أُطلق عليه "غش الزوجة في بكارتها"، وهو ما يحذر منه محامون باعتباره باباً قد يُفتح للدعاوى الكيدية. كما قيدت المادة 39 رفع دعوى البطلان بمرور 6 أشهر فقط على علم رافعها بالسبب.
اختلافات طائفية: أضافت بعض الطوائف (مثل الأرمن والروم والسريان الأرثوذكس) أسباباً إضافية للتطليق، كالهجر، والغياب، والأمراض المستعصية، وصدور أحكام بالسجن.
4. الانحلال المدني: طوق النجاة المؤجل لـ 3 سنوات
لعل أبرز ما جاء في مقترح القانون لطائفتي (الأقباط الأرثوذكس والإنجيليين) هو إقرار حق طلب "الانحلال المدني للزواج". حيث يحق لأي من الزوجين اللجوء للمحكمة لطلب الطلاق في حال "افتراق الزوجين لثلاث سنوات متصلة مع استحالة استمرار الحياة الزوجية". ورغم أن هذه الخطوة تُعد متنفساً كبيراً لحل الأزمات المعلقة، إلا أن المحكمة تظل مُلزمة بأخذ رأي الكنيسة كتابةً.
تأمل ورؤية من "زاوية قبطية":
يمثل مشروع قانون الأسرة خطوة تاريخية طال انتظارها، خاصة فيما يتعلق بالمساواة في الإرث وإقرار الانحلال المدني. ولكن، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد التوازن الدقيق بين "الحفاظ على قدسية سر الزيجة" بحسب الوصية الإنجيلية، وبين "الرحمة الإنسانية" بالنفوس المعذبة في زيجات استحالت فيها الحياة. نُصلي أن يمنح الله حكمة لمشرعي القانون وآباء الكنيسة للوصول إلى صيغة تضمن سلام وبنيان الأسرة المسيحية.
