دير الأنبا أنطونيوس ببوش: 860 عاماً من الروحانية وعطر القدس في قلب بني سويف

 دير الأنبا أنطونيوس ببوش: 860 عاماً من الروحانية وعطر القدس في قلب بني سويف

تزخر أرض مصر بأديرة وكنائس تقف كشواهد حية على عراقة التاريخ القبطي وعمق التعايش المشترك. وفي قلب محافظة بني سويف، يبرز "دير القديس العظيم الأنبا أنطونيوس ببوش" كواحد من أهم هذه المعالم. لأكثر من ثمانية قرون ونصف، لم يكن هذا الدير مجرد مكان للعبادة، بل كان منارة للخدمة المجتمعية ونموذجاً فريداً للوحدة الوطنية.

في هذا المقال على "زاوية قبطية"، نغوص في أعماق تاريخ هذا الدير العريق، مستندين إلى توثيقات القمص فام الأنطوني، وكيل الدير.

تأسيس عريق ومعمار يحاكي القدس

يرجع تاريخ إنشاء الدير إلى القرن الثاني عشر، وتحديداً عام 1160م. كانت الغاية الأساسية من تأسيسه هي أن يكون محطة لتوفير وتأمين احتياجات الآباء الرهبان بدير الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر، حيث كانت تُنقل المؤن قديماً عبر الجمال.

وما يميز هذا الدير معمارياً هو كنيسته التي بُنيت على نفس طراز وتصميم كنيسة القدس، حتى أن حامل الأيقونات المُزين لها قد صُنع ورُسم خصيصاً في مدينة القدس. وقد مرت هذه الكنيسة العريقة بعدة مراحل من الترميم للحفاظ على تراثها، بدءاً من عهد البابا كيرلس الرابع (أبو الإصلاح)، مروراً بعهد الأنبا باسليوس مطران أورشليم، ثم في عام 1997، ووصولاً إلى عهد نيافة الحبر الجليل الأنبا يسطس، أسقف ورئيس الدير الحالي.

منارة للوحدة الوطنية والخدمة المجتمعية

لم يقتصر دور الدير على الجانب الروحي فقط، بل امتد ليكون ركيزة أساسية في خدمة المجتمع بمدينة بوش. بالتعاون مع دير الأنبا بولا المجاور، نسج الدير علاقات محبة وتآخٍ مع العائلات والمزارعين والتجار من المسلمين والمسيحيين على حد سواء.

تحت رعاية نيافة الأنبا يسطس، وبجهود القمص فام الأنطوني، سطر الدير صفحات مضيئة في العمل الوطني والمجتمعي، من خلال مبادرات عملية شملت:

  • التبرع بأرض لبناء مركز شرطة ناصر.

  • التبرع بمقر للوحدة المحلية ببوش.

  • إنشاء مدرسة الأقباط الإعدادية.

  • التبرع بدار حضانة تخدم الأطفال من المسلمين والمسيحيين.

  • تخصيص أرض لقاعة مناسبات لخدمة جميع الأهالي.

إلى جانب هذا الدعم المادي، يلعب قادة الدير دوراً محورياً في احتواء الأزمات، حل النزاعات، وتعزيز السلم المجتمعي بين العائلات.

مسكن القديسين وعظماء الكنيسة

لعل من أعظم بركات دير الأنبا أنطونيوس ببوش أنه كان مأوى ومسكناً لعدد من أراخنة وقديسي الكنيسة البارزين الذين تركوا بصمة لا تُمحى، ومنهم:

  • القديس الأنبا صرابامون أبو طرحة.

  • القديس الأنبا يوساب الأبح.

  • قداسة البابا بطرس الجاولي.

  • قداسة البابا كيرلس الرابع (أبو الإصلاح).

  • القديس أبونا يسطس الأنطوني.

  • القديس أبونا عبد المسيح المناهري.

خاتمة: دير الأنبا أنطونيوس ببوش ليس مجرد جدران أثرية، بل هو تاريخ ينبض بالإيمان، ورسالة محبة مستمرة، ونموذج حي يؤكد أن الكنيسة القبطية كانت وستظل قلباً مفتوحاً يخدم الجميع ويبني الوطن.



تعليقات