حوار مع السماء وسلطان الأرض: لماذا طلب المسيح من الأنبا شنودة أن يترك جلسته معه؟
تزخر سيرة القديس العظيم الأنبا شنودة رئيس المتوحدين بقصص مذهلة عن عمق علاقته بالسيد المسيح، حتى أنه كان يراه ويتحدث معه وجهاً لوجه. ولكن في إحدى هذه الجلسات السماوية، حدث موقف فريد يضع أمامنا درساً لاهوتياً عظيماً عن "احترام الكهنوت وسلطان الكنيسة".
في هذا المقال على "زاوية قبطية"، نتأمل في هذه القصة العجيبة التي تكشف لنا كيف يحترم الله السلطان الذي منحه للبشر.
ضيف على الباب وجلسة مع الخالق
في ذات يوم، كان الأنبا شنودة جالساً مع ربنا يسوع المسيح يتحدثان معاً في قلايته. في تلك اللحظة، مرّ أسقف مدينة "أخميم" على الدير وهو في طريقه إلى الإسكندرية للقاء رئيس الأساقفة (البطريرك). وأراد الأسقف أن يلتقي بالأنبا شنودة في أمر يسير قبل أن يستأنف سفره، فأرسل إليه خادماً يطلبه.
كان رد الأنبا شنودة للخادم قاطعاً: "اذهب وقل له إني مشغول الآن". عاد الخادم بالرد، لكن الأسقف أصر وأرسله مرة أخرى قائلاً: "اصنع معروفاً وتعالى لأقابلك". وللمرة الثانية، اعتذر الأنبا شنودة موضحاً أنه مشغول.
التهديد بالحرمان ورد فعل القديس
أمام هذا الرفض المتكرر، تضايق الأسقف واستخدم سلطانه الكهنوتي، وقال للخادم: "قل له إن لم تأتِ فأنت محروم". عندما نقل الخادم هذا التهديد للأنبا شنودة، ابتسم القديس ضاحكاً بسرور، وقال متعجباً: "انظر ماذا يقول هذا الإنسان الذي من اللحم والدم! هوذا عندي الذي خلق السماء والأرض، فما دمت معه فلن أذهب". كان الأنبا شنودة يرى أنه في حضرة الخالق، فما حاجة له بسلطان البشر؟
الانقلاب الإلهي: المسيح يثبت سلطان الكهنوت
هنا جاءت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد. تدخل المُخلص ربنا يسوع المسيح في الحديث، وقال للأنبا شنودة أمراً في غاية الأهمية: "قم يا شنودة واذهب إلى الأسقف لئلا يحرمك، وإلا فلن أدعك تدخل الملكوت لأجل العهد الذي أقمته: ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات".
أمام هذا الأمر الإلهي، أطاع الأنبا شنودة فوراً، وقام ليقابل الأسقف وحياه، وبعد أن أنهيا حديثهما، مضى الأسقف بسلام.
تأمل من "زاوية قبطية"
هذه القصة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي دستور روحي يحمل رسائل عميقة:
عظمة سر الكهنوت: الله يحترم القوانين والعهود التي وضعها بنفسه. السلطان المُعطى للأساقفة والكهنة للحل والربط هو سلطان حقيقي ومحترم من السماء ذاتها.
الالتزام بالترتيب الكنسي: مهما بلغت قامة الإنسان الروحية (حتى لو كان يرى المسيح عياناً كالأنبا شنودة)، فهذا لا يعفيه من الخضوع للرتب الكنسية واحترام طقس الكنيسة وترتيبها.
التواضع والطاعة: يعلمنا السيد المسيح أنه لا يوجد تعارض بين العلاقة الشخصية العميقة مع الله وبين الخضوع لسلطان الكنيسة الأرضي.
