إرميا النبي (النبي الباكي): قصة صمود استمرت 41 عاماً وسط الاضطهاد

 إرميا النبي (النبي الباكي): قصة صمود استمرت 41 عاماً وسط الاضطهاد

تُحيي الكنيسة تذكار إرميا النبي، الذي يُعرف بلقب "النبي الباكي". وتُعد سيرة هذا النبي العظيم، الذي وردت قصته بالتفصيل في الكتاب المقدس، نموذجاً مذهلاً للاحتمال والطاعة وسط الرفض المجتمعي والقسوة.

دعوة مبكرة وتكريس إلهي

يحمل اسم إرميا معنى عميقاً، فهو يعني "الرب يؤسس" أو "الرب يثبّت". هو ابن حلقيا الكاهن، وينتمي إلى منطقة عناثوث في أرض بنيامين. ورغم أن اسم والده معروف، إلا أن الكتاب المقدس لم يذكر اسم والدته. جاءت دعوة الرب لإرميا للقيام بالعمل النبوي وهو لا يزال حدثاً صغيراً في السن. في البداية، شعر إرميا بعدم النضوج وبأنه قليل الخبرة، مما جعله يظن أنه غير كفء لمخاطبة رجال يكبرونه سناً وخبرة ومركزاً. لكن الرب طمأنه، حيث مد يده ولمس فمه قائلاً: "ها أنذا قد جعلت كلامي في فمك. انظر! قد أقمتك اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم، وتهلك وتنقض، وتبني وتغرس". وقد أخبره الرب منذ البداية أنه سيواجه مقاومة من الحكام والكهنة والشعب، ولكنه وعده بأنهم لن ينتصروا عليه.

41 عاماً من الخدمة النبوية

بدأت خدمة إرميا النبوية في السنة الثالثة عشرة من مُلك يوشيا. واستمر في عمله حتى سقطت أورشليم في الشهر الخامس من السنة الحادية عشرة من مُلك صدقيا. وقد توزعت مدة خدمته كالتالي:

  • خدم مدة ثماني عشرة سنة خلال حكم يوشيا.

  • خدم لثلاثة شهور خلال حكم يواحاز.

  • خدم لمدة إحدى عشرة سنة وخمسة شهور في حكم صدقيا. بذلك، بلغت مدة خدمته النبوية إحدى وأربعين سنة، وحتى بعد هذا التاريخ لم يتوقف عن عمله النبوي.

مقاومة الأهل واضطهاد الحكام

واجه إرميا مقاومة شرسة بدأت من مواطنيه، رجال عناثوث، الذين هددوه وطالبوه بالتوقف عن نبواته. ورغم استمراره في رسالته، إلا أن وطأة المقاومة جعلته يصرخ للرب ليُنزل قضاءه بهم. هذا العداء توسع ليصبح عداءً عاماً، مما دفعه للصراخ مجدداً للرب. في السنة الرابعة من مُلك يهوياقيم، أملى إرميا نبواته التي جمعها عبر عشرين عاماً على باروخ الكاتب ليكتبها في درج. طلب إرميا من باروخ قراءتها في الهيكل في يوم صوم، ولما وصلت إلى الملك استمع إلى أجزاء منها ثم مزق الدرج ورماه في النار حتى احترق تماماً. لكن الرب أرشد إرميا لكتابة درج ثانٍ أُضيفت إليه إضافات أخرى.

لم يتوقف الاضطهاد عند هذا الحد؛ فقد قام فشحور الكاهن (الناظر الأول للهيكل) بضرب إرميا ووضعه في المقطرة قبل أن يطلقه في اليوم التالي.

حصار أورشليم وسجن الجب

عندما حوصرت أورشليم، نظرت السلطات اليهودية لنبوات إرميا عن السبي البابلي نظرة سياسية وعسكرية، متهمين إياه بتثبيط همم المدافعين عن المدينة. وعندما رُفع الحصار مؤقتاً وحاول إرميا الذهاب إلى عناثوث، اتهموه بمحاولة الفرار للكلدانيين وألقوه في الجب. لاحقاً، سأله الملك صدقيا سراً عن كلمة الرب، فأكد له إرميا أنه سيُدفع لملك بابل. أمر الملك بوضعه في دار السجن ومعاملته بتحسن، لكن الرؤساء أخذوه ورموه في جب مليء بالوحل ليموت جوعاً. تدخل خصي حبشي وأشفق عليه، فاستأذن الملك لرفعه من الوحل وإعادته لدار السجن، وبقي هناك حتى سقطت أورشليم.

الإفراج عنه والرحلة الأخيرة إلى مصر

علم الكلدانيون بمعاناة إرميا، فأصدر نبوخذنصر أوامر صريحة بتحسين معاملته. أرسل نبوزردان، رئيس الشرطة الكلداني، لإحضاره من السجن إلى الرامة، وهناك خيَّره بين الذهاب إلى بابل أو البقاء في وطنه. اختار إرميا البقاء، فأعطاه رئيس الشرطة زاداً وهدية وأطلقه، ليقيم مع جدليا بن أخيقام وسط من تبقى من الشعب. بعد مقتل جدليا، حاول إرميا إقناع الشعب بعدم الهرب إلى مصر، لكنهم لم يستمعوا إليه، بل أجبروه على مرافقتهم. وفي مدينة تحفنحيس بمصر، نطق إرميا بنبواته الأخيرة.

ملاحظة تاريخية: رغم أن التذكار يُشير إلى "استشهاده"، إلا أن المعلومات الكتابية والتاريخية المذكورة تؤكد أنه لا يُعرف شيء عن موته، ولا كيف كان، ولا متى حدث ذلك.


 

تعليقات