يُعد مشروع إحياء "مسار العائلة المقدسة" واحداً من أهم المشاريع القومية والسياحية في مصر، ويهدف لتقديم التراث القبطي للعالم. ولكن، مع الحديث عن مشاريع قوانين لتنظيم هذا المسار وتأسيس هيئات لإدارته، تطفو على السطح تساؤلات جوهرية ومخاوف مشروعة لدى الشارع القبطي. فالقضية لم تعد تقتصر على رصف طرق أو استقبال سياح، بل تمتد لتشمل أسئلة حول السيادة، والإدارة، وحق الكنيسة الأصيل في إدارة أوقافها وأديرتها التي حافظت عليها لقرون.
في هذا المقال على "زاوية قبطية"، نُحلل المخاوف المطروحة حول الآليات الإدارية والقانونية المقترحة لإدارة المشروع.
هيئة اقتصادية أم جهة تنسيقية؟
تشير ملامح التشريعات المقترحة إلى استهداف إنشاء "هيئة عامة لمسار العائلة المقدسة". التخوف الأساسي هنا يكمن في طبيعة هذه الهيئة؛ فإذا تحولت إلى "هيئة اقتصادية مستقلة" تتبع رئاسة الوزراء وتتمتع بصلاحيات استثمارية واسعة، فإن دورها قد يتجاوز التنسيق السياحي ليصل إلى السيطرة المباشرة على الأراضي والمنشآت الواقعة في النطاق الجغرافي للمسار. منح الهيئة حق إنشاء مشروعات فندقية وتجارية وفرض رسوم يثير القلق حول تحول التراث الروحي إلى مجرد مشروع استثماري تديره جهات غير كنسية.
ضبابية "نطاق المسار" والملكية التاريخية
من أخطر التساؤلات التي يطرحها المراقبون: ما هو التوصيف القانوني لـ "نطاق المسار"؟ ومن يحدد حدوده الجغرافية؟ تثار مخاوف من أن يتسع هذا النطاق ليضم أراضٍ وأملاكاً محيطة بالأديرة والكنائس العريقة. يجب التفرقة بوضوح بين نظام الأوقاف الإسلامية التي تديرها وتمولها الدولة عبر وزارة الأوقاف، وبين الكنائس والأديرة القبطية التي بُنيت وتُصان عبر التاريخ بجهود وتبرعات أبنائها، وتدفع التزاماتها ومرافقها بشكل مستقل. نقل تبعية أي أراضٍ أو منشآت محيطة إلى هيئة حكومية قد يُفسر بأنه نزع مقنع للملكية.
من دور "الحماية" إلى دور "السيطرة"
ترحب الكنيسة والمسيحيون بجهود الدولة في ترميم المسار وتأمينه، ولكن الخلاف يقع في الخط الفاصل بين "الحماية" و"السيطرة". عندما تؤول الولاية الاستثمارية وفرض الرسوم لهيئة حكومية، يتراجع دور الكنيسة من صاحبة الحق التاريخي والقرار، إلى مجرد طرف مشارك بتأثير محدود. وما يعزز هذا القلق هو الحديث عن تمثيل الكنيسة بمقعد واحد فقط في مجالس إدارة هذه الكيانات، مقابل هيمنة للجهات التنفيذية.
رسالة ومناشدة من "زاوية قبطية": التطوير مرحب به، ووضع مصر على خريطة السياحة الدينية العالمية هو حلم لكل مصري. ولكن، هذا التطوير يجب أن يتم بالشراكة الكاملة والندية مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مع وضع ضمانات تشريعية واضحة وصريحة لا تقبل التأويل، تحمي أوقاف الكنيسة، وتؤكد على سيادتها التامة على أديرتها وكنائسها وحرمها، لتبديد أي مخاوف من تهميش دور الكنيسة أو المساس بملكياتها التاريخية.
