كُن قلبًا يحمل ملامح المسيح: الرحمة كطريق للتلمذة وحضور الله في العالم المتألم

 كُن قلبًا يحمل ملامح المسيح: الرحمة كطريق للتلمذة وحضور الله في العالم المتألم

في زحام الحياة، نلتقي بوجوه كثيرة تبدو هادئة، لكنها تخفي صرخات صامتة. الكثيرون يتكئون على ابتسامات متعبة ليخفوا انكسارهم، ويسيرون بأثقال خفية لا يراها أحد، ويشعرون بوحدة قاسية وسط الجميع. في هذا المقال المقتبس من تأملات القمص بيجول السرياني لـ "زاوية قبطية"، نتأمل في كيف يمكننا أن نكون حضورًا مسيحيًا حقيقيًا في هذا العالم المتألم.

رؤية الإنسان بعيني الله

المسيح لم يكن غريبًا عن الوجع الإنساني. الكتاب المقدس يخبرنا أنه عندما رأى الجموع، "تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لا رَاعِيَ لَهَا" (مت ٩: ٣٦). لم ينظر إليهم كأرقام، بل كقلوب متعبة تحتاج للرجاء. من هنا تبدأ المسيحية: من قلب يتعلم رؤية الإنسان كما يراه الله. الإيمان ليس مجرد عقائد أو طقوس منفصلة عن الإنسان، بل هو دخول لقلب المسيح لنتعلم رؤية الآخرين وحملهم كأمانة حب. كما يقول القديس بولس: «فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا» (في ٢: ٥). والمسيح لا يدعونا لحفظ كلماته فقط، بل لاقتناء ملامحه: «تَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ» (مت ١١: ٢٩).

العذراء مريم والآباء: أمثلة على القلب الرحيم

القديسة العذراء مريم هي أوضح صورة لهذا القلب الوديع. حملت المسيح في أعماقها أولًا، فصار حضورها راحة وصمتها سلامًا. كما يقول الإنجيل: «أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا» (لو ٢: ١٩). الآباء فهموا أن غاية الحياة الروحية هي تحول القلب لصورة المسيح. الصلاة والصوم بلا وداعة ورحمة يبقيان جهداً خارجياً، لكن العبادة الحقيقية تشكل المسيح في الداخل. يقول القديس مقاريوس الكبير: “غاية كل نسك أن يقتني الإنسان قلبًا يشبه قلب المسيح”. ويضيف القديس يوحنا ذهبي الفم: “لا شيء يجعل الإنسان شبيهًا بالله مثل الرحمة”. القداسة ليست قسوة أو تشدداً، بل تشبهٌ بالمسيح المريح للمتعبين.

المسيح لا يدين المتعبين

كم من شخص عاد مثقلًا من الكنيسة لأنه وجد إدانة بدلًا من الاحتواء. النفوس المتعبة تحتاج لمن يشعر بها ويصغي لوجعها، لا لعظات طويلة. المسيح لم يقترب من السامرية كقاضٍ، بل كينبوع يعيد كرامتها (يو ٤). ونظر للمجدلية بعين القيامة لا الماضي (يو ٢٠: ١١-١٨). ولم يحطم بطرس بخجل الإنكار، بل أعاده بالمحبة: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟» (يو ٢١: ١٥). الكنيسة والمؤمنون يجب أن يكونوا هكذا؛ الضعيف أخٌ يحتاج السند لا الإدانة. يقول القديس إسحق السرياني: “القلب الرحيم هو قلب يحترق من أجل الخليقة كلها...” فالرحمة اتساع للقلب ليصير شريكاً لحنان الله.

الاحتياج للرحمة في عالم منكسر

في زمن يزداد فيه التعب النفسي، نحتاج للرحمة. كثيرون ينهارون خلف ملامح طبيعية، أو يضحكون لعدم وجود من يسمع بكاءهم. الإنسان المتألم يحتاج لقلب يحتمله ويسمعه دون استعجال أو إدانة، ليشعره بأنه محبوب. لهذا بكى المسيح أمام قبر لعازر (يو ١١: ٣٥) قبل أن يعلم. صوت الإنجيل رقيق: «قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لا يُطْفِئُ» (مت ١٢: ٢٠). والعذراء التقطت خجل العروسين في قانا وقالت: «لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ» (يو ٢: ٣)؛ فالمحبة تشعر بالألم قبل أن يُعلن.

أن نكون نورًا وحضورًا

الرسالة المسيحية هي أن يشعر الناس بالله من خلالنا. الرب يقول: «أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ» (مت ٥: ١٤) و«بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلَامِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ» (يو ١٣: ٣٥). حين تصغي لموجوع أو تحتمل ضعيفًا، أنت تكمل عمل المسيح. كما في مثل السامري الصالح، المحبة اقتراب واستعداد لحمل الوجع. «اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ وَهكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ» (غل ٦: ٢). العالم يحتاج لبيوت وآباء وأمهات وخدام يوفرون الراحة والاحتواء، فالمحبة تربح أكثر من الخوف. كما ربحت دموع وصلاة القديسة مونيكا ابنها أغسطينوس. المسيح سيقيسنا بالمحبة: «كُنْتُ جَائِعًا فَأَطْعَمْتُمُونِي...» (مت ٢٥). يقول الأنبا أنطونيوس: “من وجد أخاه وجد الله”. وكلما اقتربنا من المسيح صرنا ألطف. ومثل القديسة فيرينا، يمكن للقداسة أن تكون رحمة ملموسة للمحتاجين.

رسالة زاوية قبطية: لنطلب من الرب أن يعطينا قلبه، لنجعل حضورنا تعزية، وكلماتنا نعمة، فنكون أيقونات لحنانه. حينها قد يرى الناس فينا شيئًا من ملامح المسيح.




تعليقات